لوحة "دوائر متعددة" للفنان فاسيلي كاندينسكي، التي رُسمت بين يناير وفبراير 1926، هي لوحة زيتية على قماش، وهي الآن ضمن مجموعة متحف غوغنهايم في نيويورك. يبلغ مقاسها حوالي 140.7 × 140.3 سم. زمنيًا، يندرج هذا العمل ضمن المرحلة الناضجة من فترة باوهاوس في مسيرته الفنية. تشير المواد التعليمية في متحف غوغنهايم إلى أن كاندينسكي، بين عامي 1926 و1929، ابتكر سلسلة من الأعمال "باستخدام الدوائر فقط"، ويصف المتحف لوحة "دوائر متعددة" بأنها صورة نموذجية لـ"الانسجام الكوني" لتلك الفترة. بعبارة أخرى، هذه اللوحة ليست مجرد تكوين دائري عشوائي، بل هي عمل فني محوري يمثل تكثيفًا مكثفًا للأشكال الهندسية، والمساعي الروحية، والنظام البصري.

إذا تم تحليل هذا العمل ضمن إطار "وحدة التوسع المتمركز"، فإنه يصبح نموذجياً للغاية. ظاهرياً، تتكون الصورة من أقراص وحلقات بأحجام وألوان متفاوتة، لكن ما يهيمن حقاً على العمل ككل ليس الدوائر الصغيرة المتناثرة، بل النواة السوداء الضخمة المنحرفة قليلاً عن المركز في أعلى اليسار، والمحاطة بحلقة زرقاء وهالة بيضاء وعدة أسطح دائرية ثانوية شفافة ومتداخلة. يشبه هذا التركيب إلى حد كبير منطق "التوسع من المركز": أولاً مركز قوي، ثم حلقة خارجية، تليها دوائر ثانوية تحيط به وتطفو وتعكسه. وهكذا، فإن اللوحة بأكملها ليست توزيعاً متناثراً، بل تشبه نظاماً كونياً يتوسع للخارج من مجال طاقة مركزي. كما يؤكد العرض الصوتي لمتحف غوغنهايم أن كاندينسكي استخدم الدوائر بوعي كشكل مهيمن في هذا العمل، موظفاً علاقاتها لتنظيم التكوين العام.

يكمن أهم ما يميز هذا العمل في رفعه لمفهوم "الدائرة" من مجرد شكل هندسي عادي إلى مبدأ هيكلي. تحافظ مواد غوغنهايم التعليمية على وصف كاندينسكي الشهير للدائرة: فهي "توليفة من أعظم المتناقضات"، إذ توحد "التمركز" و"الطرد المركزي" في شكل واحد، وتشير إلى بُعد أعلى من التوازن. هذا التصور هو مفتاح فهم لوحة "دوائر متعددة". فمن جهة، تمتلك الدوائر في اللوحة قوة جاذبة مركزية، تجذب المشاهد إليها بأكبر دائرة سوداء؛ ومن جهة أخرى، تشع دوائر أصغر بأحجام متفاوتة باستمرار إلى الخارج، مولدةً قوة طاردة مركزية، وتوسعًا، وانجرافًا. وهكذا، لا يكمن سحر اللوحة في التناظر الثابت، بل في توازن يتأرجح باستمرار بين التقارب والانتشار. إنها مناسبة تمامًا كمثال كلاسيكي لـ "وحدة التوسع المتمركزة" لأنها توضح أن الهياكل المتمركزة ليست حلقات جامدة، بل هي طريقة تنظيمية قادرة على استيعاب التركيز والتقلب والانتشار في آن واحد.

من الناحية الفنية، تستخدم لوحة *دوائر متعددة* تقنية أخرى بالغة البراعة: وهي تقنية "التوسع" الطبقي. فالدائرة السوداء الأكبر ليست معزولة، بل محاطة بحلقة زرقاء ذات حافة بيضاء شبه مضيئة. وتحيط بها دوائر أصغر شفافة أو شبه شفافة بألوان الأصفر والوردي والأزرق الفاتح والأخضر. تشبه هذه الدوائر الأصغر الأقمار الصناعية وجزيئات الطاقة المنفصلة عن البنية المركزية. وتجذب الدائرة الوردية الفاتحة الكبيرة في الزاوية اليمنى السفلى، والدائرة السماوية على اليمين، والنقاط الصفراء والحمراء المتناثرة، العين من المركز إلى الحواف، مما يخلق فضاءً ثلاثي المستويات: "المركز - الدائرة الخارجية - الطرف البعيد". بعبارة أخرى، فإن "التوسع المتمركز" في هذا العمل ليس دائريًا آليًا، بل هو عملية إيقاعية متناغمة تتحقق من خلال اختلافات في الحجم، وتداخل الشفافية، وتباين الكثافة، وتفاوت المسافات. كما تلفت دراسة غوغنهايم انتباه المشاهد إلى اللوحة المربعة نفسها: فبالنسبة لكاندينسكي، لم تكن الدائرة هي العنصر الهندسي الوحيد؛ كما وفر الشكل المربع العام للوحة حدودًا خارجية، مما يضمن أن الكون الدائري الداخلي كان دائمًا موضوعًا ضمن إطار عمل هادئ ومستقر.

يُظهر هذا العمل، من خلال معالجته للألوان، براعة كاندينسكي الناضجة. فالخلفية السوداء ليست مجرد فراغ، بل أشبه بالفضاء العميق أو اللانهائي، مما يجعل الدوائر تبدو مضيئة كالأجرام السماوية. وتُشكّل الحلقات الزرقاء الكبيرة والحواف البيضاء والوردي الباهت والأصفر الفاتح والنقاط الحمراء الصغيرة معًا نظامًا لونيًا هادئًا ونابضًا بالحياة في آنٍ واحد. ولأن العديد من الأسطح الدائرية تتداخل بشكل شفاف، فإن الألوان لا تنفصل عن بعضها، بل تُولّد ألوانًا وسيطة جديدة وطبقات مكانية عند التقاطعات. وهكذا، لم تعد الدائرة مجرد شكل هندسي على الخطوط الخارجية، بل أصبحت حاملة لذبذبات لونية. وتشير مواد غوغنهايم التعليمية إلى أن كاندينسكي طوّر مجموعة من النظريات الشكلية القائمة على الهندسة خلال فترة عمله في مدرسة باوهاوس، وربط المثلثات والمربعات والدوائر بصفات نفسية وروحية مختلفة؛ وفي هذه اللوحة، تبلغ "الروحانية" التي تُمثلها الدائرة ذروتها. فهي لا تروي قصة جرم سماوي مُحدد، بل تُؤسس نظامًا كونيًا موسيقيًا تقريبًا من خلال الشكل الخالص.

لذا، تُعدّ لوحة "دوائر متعددة" عملاً فنياً نموذجياً لـ"وحدة التوسع المتمركزة"، ليس فقط لأنها تُصوّر دوائر عديدة، بل لأنها تُحوّل الدائرة إلى آلية توليدية: تتوسع من مركزها، مُستمدةً منها التسلسل الهرمي، والإيقاع، والتدفق، والصدى، والتوازن العام. تُذكّرنا هذه اللوحة بأن وحدات التوسع المتمركزة لا تقتصر على قواعد متداخلة فحسب، بل يمكن أن تكون أنظمة هيكلية مرنة وشفافة وكونية. بالنسبة للإبداع المعاصر، يُعدّ هذا العمل مناسباً بشكل خاص للتحويل إلى تركيبات ضوئية، وطبقات زجاجية، وواجهات رقمية، وعروض صوتية، وعروض ديناميكية، وأنظمة توجيه مكانية، لأنه لا يُقدّم نمطاً ثابتاً، بل منطقاً تنظيمياً دائرياً قابلاً للتكبير والتكوين والإضاءة والديناميكية. ما أنجزه كاندينسكي في هذا العمل هو تحويل أبسط شكل هندسي إلى أغنى فضاء روحي.

الدروس من F2 إلى F16: تحليل أعمال فاسيلي كاندينسكي (انقر للاستماع إلى القراءة)

لوحة "دوائر متعددة" للفنان فاسيلي كاندينسكي، التي رُسمت بين يناير وفبراير 1926، هي لوحة زيتية على قماش، وهي الآن ضمن مجموعة متحف غوغنهايم في نيويورك. يبلغ مقاسها حوالي 140.7 × 140.3 سم. زمنيًا، يندرج هذا العمل ضمن المرحلة الناضجة من فترة باوهاوس. تشير المواد التعليمية في غوغنهايم إلى أن كاندينسكي، بين عامي 1926 و1929، ابتكر سلسلة من الأعمال "باستخدام الدوائر فقط"، ويلخص المتحف لوحة "دوائر متعددة" كصورة نموذجية لـ"التناغم الكوني" لتلك الفترة. بعبارة أخرى، هذه اللوحة ليست مجرد تكوين دائري عشوائي، بل هي عمل فني محوري يُركز ويُكثف الأشكال الهندسية، والمساعي الروحية، والنظام البصري. عند تحليلها في سياق "وحدات التوسع المتمركزة"، يصبح هذا العمل نموذجيًا للغاية. ظاهريًا، تتكون الصورة من أقراص وحلقات بأحجام وألوان مختلفة. مع ذلك، فإن ما يهيمن حقًا على العمل ككل ليس الدوائر الصغيرة المتناثرة، بل النواة السوداء الهائلة في الزاوية العلوية اليسرى، المحاطة بحلقة زرقاء وهالة بيضاء وعدة أسطح دائرية ثانوية شفافة متداخلة. يشبه هذا التركيب إلى حد كبير منطق "التوسع من المركز": أولًا مركز قوي، ثم حلقة خارجية، ثم دوائر ثانوية تحيط به وتطفو وتتردد أصداؤها. وهكذا، فإن اللوحة بأكملها ليست توزيعًا متناثرًا، بل تشبه نظامًا كونيًا يتوسع للخارج من مجال طاقة مركزي. كما يؤكد العرض الصوتي لمتحف غوغنهايم أن كاندينسكي استخدم الدائرة بوعي كشكل مهيمن في هذا العمل، مستخدمًا علاقاتها لتنظيم التكوين العام. إن أهم ما يميز هذا العمل هو أنه يرتقي بـ"الدائرة" من مجرد شكل هندسي عادي إلى مبدأ هيكلي. تحافظ المواد التعليمية في متحف غوغنهايم على مقولة كاندينسكي الشهيرة عن الدائرة: الدائرة هي "توليفة أعظم المتناقضات"، إذ توحد "التمركز" و"الطرد المركزي" في شكل واحد، وتشير إلى بُعد أعلى من التوازن. هذا الحكم هو مفتاح فهم لوحة "دوائر متعددة". تمتلك الدوائر في اللوحة قوة جاذبة بطبيعتها، تجذب المشاهد بأكبر دائرة سوداء؛ من ناحية أخرى، تشع دوائر أصغر بأحجام مختلفة باستمرار إلى الخارج، مما يخلق قوة طرد مركزي وتوسعًا وانجرافًا. وهكذا، لا يكمن سحر اللوحة في التناظر الثابت، بل في توازن يتأرجح باستمرار بين التقارب والانتشار. إنها مثال مثالي على "وحدة التوسع المتمركزة"، مما يوضح أن الهياكل المتمركزة ليست حلقات جامدة، بل هي أسلوب تنظيمي قادر على استيعاب التركيز والتقلب والامتداد في آن واحد. من الناحية الشكلية، تتميز لوحة "دوائر متعددة" أيضًا بمعالجة بارعة للغاية: فهي تُضيف طبقات من "التوسع". الدائرة السوداء الأكبر ليست معزولة؛ بل هي محاطة بحلقة زرقاء، ذات حافة بيضاء شبه مضيئة. وتحيط بها دوائر أصغر شفافة أو شبه شفافة بألوان الأصفر والوردي والأزرق الفاتح والأخضر. تشبه هذه الدوائر الأصغر الأقمار الصناعية وجزيئات الطاقة المنفصلة عن البنية المركزية. الدائرة الوردية الفاتحة الكبيرة في الزاوية اليمنى السفلى، والدائرة الفيروزية على اليمين، والنقاط الصفراء والحمراء المتناثرة، تجذب العين من المركز إلى الحافة، مما يخلق فضاءً ثلاثي المستويات: "المركز - الدائرة الخارجية - الطرف البعيد". بعبارة أخرى، "التوسع المتمركز" لهذا العمل ليس دائرية ميكانيكية، بل هو عملية إيقاعية متناغمة تتحقق من خلال اختلافات في الحجم، وتراكبات شفافة، وتباينات في الكثافة، وتوزيع على مسافات مختلفة. كما يذكّر بحث غوغنهايم المشاهدين بالانتباه إلى اللوحة المربعة نفسها: فبالنسبة لكاندينسكي، الدائرة ليست العنصر الهندسي الوحيد؛ يُضفي الشكل المربع العام للوحة حدودًا خارجية، مما يضمن بقاء الكون الدائري الداخلي ضمن إطار هادئ ومستقر. أما من حيث معالجة الألوان، فيُظهر هذا العمل براعة كاندينسكي وإتقانه. فالخلفية السوداء ليست فارغة فحسب، بل تُشبه الفضاء العميق أو اللانهائي، مما يجعل الدوائر تبدو مُضيئة كالأجرام السماوية؛ وتُشكّل الحلقة الزرقاء الكبيرة، والحافة البيضاء، واللون الوردي الفاتح، والأصفر الباهت، والنقاط الحمراء الصغيرة معًا نظامًا لونيًا يجمع بين الهدوء والحيوية. ولأن العديد من الأسطح الدائرية تتداخل بشفافية، فإن الألوان لا تنفصل عن بعضها، بل تُولّد ألوانًا وسيطة جديدة وطبقات مكانية عند نقاط التداخل. وهكذا، لم تعد الدائرة مجرد شكل هندسي على الخطوط الخارجية، بل أصبحت حاملة لذبذبات لونية. وتشير مواد غوغنهايم التعليمية إلى أن كاندينسكي طوّر نظرية شكل هندسية خلال فترة عمله في مدرسة باوهاوس، رابطًا المثلثات والمربعات والدوائر بصفات نفسية وروحية مختلفة؛ وفي هذه اللوحة، تبرز "الروحانية" التي تُمثلها الدائرة بشكلٍ جليّ. لا يصف العمل جرمًا سماويًا محددًا، بل يُرسي نظامًا كونيًا أشبه بالموسيقى من خلال الشكل الخالص. لذا، فإنّ سبب كون "دوائر متعددة" عملًا نموذجيًا لـ"وحدات التوسع المتمركزة" لا يكمن فقط في تصويره للعديد من الدوائر، بل في تحويله الدائرة إلى نمط توليد: تتوسع من المركز إلى الخارج، مستمدة مستويات وإيقاعات وانحرافات وأصداء وتوازنًا شاملًا من دائرة واحدة. يُذكّرنا هذا العمل بأنّ وحدات التوسع المتمركزة ليست مجرد ترتيب منتظم، بل يمكن أن تكون نظامًا هيكليًا مرنًا وشفافًا وكونيًا. بالنسبة للمساعي الإبداعية المعاصرة، يُعدّ هذا العمل مناسبًا بشكل خاص للتحويل إلى تركيبات ضوئية، وطبقات زجاجية، وواجهات رقمية، وعروض صوتية، وعروض ديناميكية، وأنظمة توجيه مكانية، لأنه لا يُقدّم نمطًا ثابتًا، بل منطقًا تنظيميًا دائريًا يمكن تكبيره وتكوين طبقات منه وإضاءته وتحريكه. ما أنجزه كاندينسكي في هذا العمل هو تحويل أبسط الأشكال الهندسية إلى أغنى فضاء روحي.