أ-1، الغرض الأساسي
إذا كنا قد استكشفنا “كيف” العقل في معالجة المعلومات المجردة هندسياً، فعلينا الآن أن نطرح سؤالاً أكثر جوهرية: “لماذا”؟ لماذا كان العقل البشري، في مرحلة معينة من التاريخ، يتوق فجأة إلى هذا الشكل البارد الذي يستبعد كل المشاعر والقصص؟ ما هو الغرض الأساسي من البنية المعرفية للفن التجريدي الهندسي؟
هذا ليس مجرد خيار جمالي، بل هو عملية إنقاذ تستهدف أعماق الوعي الإنساني. هدفها الأساسي والجوهر هو...إرساء "نظام مطلق" لمواجهة سيولة وفوضى الواقع.。
علينا أن ندرك أن النظام المعرفي البشري يعاني منذ زمن طويل من إرهاق شديد. فالعالم الحقيقي مجزأ، وعرضي، ومتغير باستمرار - تتغير الغيوم، ويتغير الضوء، وتتغير المشاعر، وهذا التغير الدائم يُسبب لنا قلقًا وجوديًا عميقًا. إن ظهور الفن التجريدي الهندسي هو في جوهره بناء ملاذ معرفي. عندما رسم موندريان تلك الشبكة الأبدية من الخطوط الرأسية والأفقية، كان في الواقع يغرس "مراسي" روحية في هذا الكون الفوضوي. هذه الخطوط المستقيمة المطلقة والكتل اللونية النقية لا وجود لها في الطبيعة؛ إنها نتاج العقلانية البشرية. لذلك، فإن الغرض الأساسي من التجريد الهندسي هو توفير نوع من "اليقين". فهو يعد المشاهد بأنه ضمن هذا الإطار، كل شيء متوازن، وكل شيء قابل للتحكم، وكل شيء ثابت أبديًا. هذا اليقين المعرفي يوفر راحة نفسية تكاد تكون دينية لقلوب الإنسان المعاصر القلقة.

بريدجيت رايلي
ثانيًا، يتمثل الغرض المعرفي من التجريد الهندسي فيتحقيق الارتقاء الروحي من خلال "التطهير البصري"。
من منظور علم النفس المعرفي، غالبًا ما يحمل الفن التمثيلي الكثير من "الشوائب الدنيوية". فرسم تفاحة يثير الشهية، ورسم امرأة جميلة يثير الرغبة، ورسم حرب يثير الخوف. هذه الصور الملموسة متشابكة دائمًا مع تجاربنا الجسدية ومشاعرنا الدنيوية. لكن هدف الفن التجريدي الهندسي هو قطع سلسلة هذه الروابط. قال ماليفيتش ذات مرة إنه أراد أن يأخذ الفن إلى "الصحراء". هذه الصحراء ليست العدم، بل أرض نقية. من خلال إزالة الصور الملموسة، يُجبر التجريد الهندسي الدماغ على التوقف عن الارتباطات الدنيوية والدخول في حالة "انعدام المشاعر". هذا التبسيط البصري هو في الواقع عملية "تطهير" معرفية. هدفه إفراغ وعينا، وتحريرنا من قيود الأشياء الملموسة، وبالتالي خلق مساحة لتجارب أنقى للإيقاعات الكونية والروح الداخلية. فكما يمكن للمرء أن يسمع دقات القلب في الصمت، يمكنه أن يرى جوهر الروح في الفراغ البصري.

آرثر دورفال
الهدف الأساسي الثالث هوإعادة بناء "المنطق الكامن" لفهمنا للعالم“。
إن الفن التجريدي الهندسي ليس مجرد لوحات، بل هو أشبه بـ"مخطط" أو "نموذج" معرفي. فقد آمن الفنانون البنائيون بأنه إذا ما بنينا منطقًا هيكليًا مثاليًا على اللوحة، فإن هذا المنطق يُمكن إسقاطه في نهاية المطاف على المجتمع الواقعي لبناء مدن أكثر عقلانية وعلاقات اجتماعية أكثر عدلًا. لذا، فإن مشاهدة الفن التجريدي الهندسي هي في الواقع تمرين ذهني. فهو يُدرب عقولنا على رؤية ما وراء المظاهر إلى الجوهر، وعلى إدراك العلاقات الهيكلية بدلًا من الانشغال بالزخرفة السطحية. ويهدف هذا الفن إلى تنمية طريقة تفكير حديثة تتسم بالتعميم والمنطق. وهو يُحاول أن يُخبرنا أنه على الرغم من اختلاف أشكال الأشياء في العالم، إلا أنها جميعًا تتبع تناغمًا رياضيًا جوهريًا.
في الختام، يتجاوز البناء المعرفي للفن التجريدي الهندسي مجرد الزخرفة والجماليات. فهو بمثابة آلية دفاع روحية ضد قلق عدم اليقين، وطقوس تطهير لتجاوز المشاعر الدنيوية، وقبل كل شيء، إعلان للعقل، يسعى لإعادة صياغة فهمنا للعالم بلغة النظام. عندما نتأمل تلك الأشكال الهندسية الصامتة، فإننا في الواقع نتأمل أروع معاقل العقل البشري - مكان تنتهي فيه الفوضى ويسود النظام.

الدرس أ-1: البنية المعرفية للفن التجريدي الهندسي: الهدف الأساسي - إيجاد العزاء المطلق للنظام (انقر لعرض القراءة والاستماع إليها)
إذا كنا قد استكشفنا كيفية معالجة الدماغ للمعلومات الهندسية المجردة، فنحن الآن بحاجة إلى طرح سؤال أكثر جوهرية: "لماذا؟" لماذا، في لحظة تاريخية معينة، اشتاق العقل البشري فجأة إلى هذا الشكل الصارم المجرد من كل عاطفة وسرد؟ ما هو الغرض الأساسي من البنية المعرفية للفن الهندسي التجريدي؟ إنه ليس مجرد خيار جمالي، بل هو عملية إنقاذ تستهدف أعماق الوعي البشري. يتمثل غرضه الأساسي في إرساء "نظام مطلق" لمواجهة سيولة وفوضى الواقع. علينا أن ندرك أن النظام المعرفي البشري كان لفترة طويلة في حالة من الإرهاق. العالم الحقيقي مجزأ، وعرضي، ومتغير باستمرار - تتغير الغيوم، ويتغير الضوء، وتتغير المشاعر؛ هذا الزوال يجلب لنا قلقًا وجوديًا عميقًا. إن ظهور الفن الهندسي التجريدي هو في جوهره بناء ملاذ معرفي. عندما رسم موندريان تلك الشبكة الرأسية والأفقية الأبدية، كان في الواقع يغرس "مراسي" روحية في الكون الفوضوي. هذه الخطوط المستقيمة المطلقة والكتل اللونية النقية لا وجود لها في الطبيعة؛ إنها نتاج العقل البشري. لذا، فإن الغاية الأساسية من التجريد الهندسي هي توفير نوع من "اليقين". فهو يعد المشاهد بأن كل شيء ضمن هذا الإطار متوازن، وكل شيء قابل للتحكم، وكل شيء ثابت أبديًا. يوفر هذا اليقين في الإدراك راحة نفسية شبه دينية لقلوب الإنسان المعاصر القلقة. ثانيًا، تتمثل الغاية المعرفية للتجريد الهندسي في تحقيق التسامي الروحي من خلال "التطهير البصري". من منظور علم النفس المعرفي، غالبًا ما يحمل الفن التمثيلي الكثير من "الشوائب الدنيوية". فرسم تفاحة يثير الشهية، ورسم امرأة جميلة يثير الرغبة، ورسم حرب يثير الخوف. هذه الصور الملموسة دائمًا ما تكون متشابكة مع تجاربنا الجسدية ومشاعرنا الدنيوية. والغرض من الفن التجريدي الهندسي هو قطع سلسلة الارتباط هذه. قال ماليفيتش ذات مرة إنه أراد أن يأخذ الفن إلى "الصحراء". هذه الصحراء ليست العدم، بل أرض نقية. من خلال إزالة الصور الملموسة، يجبر التجريد الهندسي الدماغ على التوقف عن الارتباطات الدنيوية والدخول في حالة "انعدام المشاعر". هذا التبسيط البصري هو في الواقع عملية "تطهير" معرفي. هدفه إفراغ وعينا، بحيث لا نعود منشغلين بالأشياء المادية، مما يفسح المجال لتجارب أنقى حول إيقاع الكون والروح الداخلية. فكما لا نسمع دقات القلب إلا في الصمت، لا نرى جوهر الروح إلا في فراغ الرؤية. أما الهدف الأساسي الثالث فهو إعادة بناء "المنطق الكامن" لفهمنا للعالم. الفن التجريدي الهندسي ليس مجرد لوحة؛ بل هو أشبه بـ"مخطط" أو "نموذج" معرفي. آمن الفنانون البنائيون أنه إذا بنينا منطقًا هيكليًا مثاليًا على اللوحة، يمكن إسقاط هذا المنطق في نهاية المطاف على المجتمع الحقيقي لبناء مدن أكثر عقلانية وعلاقات اجتماعية أكثر عدلًا. لذلك، فإن مشاهدة الفن التجريدي الهندسي هي في الواقع تدريب للعقل. فهو يدرب أدمغتنا على رؤية ما وراء المظاهر إلى الجوهر، وعلى إدراك العلاقات الهيكلية بدلًا من الانشغال بالزخرفة السطحية. هدفه هو تنمية طريقة تفكير حديثة تتسم بالتعميم والمنطق. إنها تحاول أن تخبرنا أنه على الرغم من اختلاف أشكال الأشياء في العالم، إلا أنها جميعًا تتبع تناغمًا رياضيًا جوهريًا. وخلاصة القول، فإن البنية المعرفية للفن التجريدي الهندسي لها غاية أساسية تتجاوز الزخرفة والجماليات. إنها آلية دفاع روحية لمواجهة قلق الزوال؛ إنها طقس تطهير لتجاوز المشاعر الدنيوية؛ وهي إعلان عقلاني يسعى لإعادة صياغة فهمنا للعالم بلغة النظام. عندما نتأمل تلك الأشكال الهندسية الصامتة، فإننا في الواقع نتأمل أروع حصون العقل البشري - حيث ينتهي الفوضى ويسود النظام.
